محمد هادي معرفة
16
التمهيد في علوم القرآن
نظره ، فإنّ التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور » . وقد ورد - أيضا - « إنّ القرآن فيه تفصيل وبيان وتحصيل » و « هو الفصل ليس بالهزل » ، « ظاهره أنيق وباطنه عميق » ، « ظاهره حكم وباطنه علم » على ما تقدم بيانه « 1 » . أمّا آية الزمر فتعني تناسق آي القرآن في الإجادة ، والايفاء وقوة التعبير ، « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » « 2 » . لما ذا في القرآن متشابه ؟ ولعل معترضا يقول : هلا كانت جميع آي القرآن محكمات ، فكان ذلك أسلم من الالتباس وأقرب إلى طرق الاهتداء العامّ ! . قال الإمام الرازي : من الملاحدة من طعن في القرآن ، لأجل اشتماله على المتشابهات ، إذ كيف يكون القرآن مرجع الناس في جميع العصور ، مع وفرة دواعي الاختلاف فيه ، حيث يجد صاحب كل مذهب مأربه في القرآن ، بسبب اختلاف آياته في الدلالة والردّ . الأمر الذي لا يليق بالحكيم تعالى أن يجعل كتابه المبين معرضا للجدل وتضارب الآراء ، فلو كان جعله نقيا من المتشابهات المثيرة للشبهات ، كان أقرب إلى حصول الغرض والمقصود من الهداية العامّة « 3 » . وقد عالج ابن رشد الأندلسي - الفيلسوف العظيم - هذه الناحية معالجة دقيقة ، صنّف فيها الناس إلى ثلاثة أصناف : صنف العلماء ، وعنى بهم من في طبقته من أرباب الحكمة العالية ، وصنف الجمهور ، وهم عامّة الناس ممن لم يحظوا بحلى العلم شيئا ، وصنف بين بين ، لا هم في مستوى العلماء ولامع العامّة ،
--> ( 1 ) الأحاديث مستخرجة من الكافي الشريف - الأصول - : ج 2 ، ص 599 - 600 . ( 2 ) النساء : 82 . ( 3 ) التفسير الكبير : ج 7 ، ص 171 .